وقفتُ أمام النافذة الزجاجیة الواسعة في الطابق العاشر من البرج 305 بمركز الملك عبدالله المالي. الیوم ھو الخامس عشر من أبریل 2026 .
للتو انتھیتُ من مراجعة آخر مادة تحریریة في العدد الأول من Safar by OTAS. كان یفترض أن أشعر بالاكتمال ... بالراحة ... بالنھایة. لكن شیئًا داخلي كان یقول إن الانتھاء لیس نھایة، بل بدایة مسؤولیة جدیدة، وبدایة فصل آخر من الرحلة .
الأفق أمامي كان صافیًا، ممتدًا، كأنھ یفتح صفحة بیضاء جدیدة، وكأنھ یھمس لي بصوت لا یسمعھ غیري: لقد وصلت إلى ھنا ... لأنك لم تتوقف یومًا .
وفي مدینة مثل الریاض، حیث تتسارع الخطوات وتتشابك الفرص، مدینة لا تھدأ ولا تمنحك لحظة صمت، لم یستطع صخبھا بكل إیقاعھ السریع أن یمنع الذاكرة من الارتداد. ارتدت بي بقوة إلى مدینة أخرى ... مدینة صنعت الشرارة الأولى .
غوانزو — معرض كانتون 2023 : البرید الذي غیر مسار الرحلة
كنتُ في قلب معرض كانتون العملاق، أكتوبر 2023 . الأجنحة تمتد بلا نھایة، والأصوات تتداخل كأنھا موسیقى من الفرص. كنتُ ھناك مع مجموعة من رواد الأعمال الخلیجیین، أرتب اللقاءات، أرافق المناقشات، وأحمل في قلبي شغفًا یشبھ شغفھم .
ثم اھتز الھاتف. اھتزاز واحد، لكنھ كان یشبھ طرقًا على باب جدید. فتحتُ البرید. قرأت السطر الأول. وتجمد العالم حولي .
" نھنئكم ... تم قبول مشروعكم ضمن قائمة المشاریع المحتضنة في مركز نمو السیاحة ".
لم یكن ھذا البرید مجرد قبول في برنامج. كان إشارة وطنیة تقول لي بوضوح: ھناك من یرى ما تحاول بناءه وھناك من یؤمن بأن رحلتك تستحق أن تُكمل .
كان مركز نمو السیاحة في كافد - KAFD ، الذراع التمكیني لصندوق التنمیة السیاحي، ھو المنصة التي لم أكن أعلم أنني أحتاجھا، المنصة التي لا تمنح المال بل تمنح القدرة، ولا تفتح الأبواب بل تعلمك كیف تفتحھا بنفسك .
ذلك البرید لم یغیر مسار الرحلة فقط، بل قطع تذكرة العودة إلى البدایة، إلى الوطن، إلى الجذور، إلى النقطة التي تنتظر أن تُكتب منھا القصة من جدید. وسط صخب كانتون، وسط الضجیج الھائل، شعرتُ أن الرحلة التي كنت أنظمھا للآخرین، تحولت فجأة إلى بدایة رحلتي أنا .
الاعتراف الصادق ... الطریق لم یكن سھلاً
قبل ذلك البرید بسنوات، عرفتُ طعم الخسارة، وطعم الوحدة، وطعم الشك. تنقلتُ بین مدن مانیلا وسنغافورة وكوالالمبور والقاھرة، مدنٌ عاشقة للسائحین الباحثین عن الفرح .
لكن علاقتي بھا كانت فاترة ... لا دفء فیھا ولا انتماء، فأنا لم أكن سائحًا؛ كنتُ عابرًا یحمل حلمًا أثقل من حقائبھ، وباحثًا عن فرصة لا عن متعة، وعن بدایة لا عن راحة. كنتُ أنام وفي صدري رغبة أكبر من جدران المكان، وأمضي إلى اجتماعات لا تكتمل، وصفقات تتلاشى في اللحظة الأخیرة .
لكن كل سقوط كان یدفعني خطوة نحو الحقیقة: رائد الأعمال الحقیقي لا ینتظر الظروف المثالیة بل یصنعھا من وسط الفوضى. وھكذا، خطوة بعد خطوة، اقتربتُ من المجال الذي أصبح قدري: السیاحة الرقمیة .
من غرفة صغیرة في كافد إلى منظومة كاملة
عند عودتي إلى السعودیة، اخترتُ أن أبدأ من الصفر في مجال واحد فقط. عشر سنوات من التخصص العمیق، من فھم سلوك المسافر، من بناء حلول حقیقیة، من دراسة الفجوات في سوق یتغیر بسرعة الضوء .
وصلتُ إلى منصب الرئیس الإقلیمي للاتحاد الدولي للسیاحة الرقمیة IFITT ، لكن الحقیقة؟ الألقاب لم تكن القصة .
القصة بدأت في غرفة صغیرة داخل مركز نمو السیاحة في كافد. ھناك، في مساحة عمل مشتركة لا تتجاوز بضعة أمتار، كنتُ أراجع أوراقًا كتبتھا بخط الید واسأل نفسي: أین المنصة التي تروي قصصنا؟ أین الصوت الذي یوثق تعثراتنا وانتصاراتنا؟
من ھذا السؤال ... ولدت OTAS. الیوم، أصبحت OTAS أكبر منظومة SaaS سیاحیة في دول العالم الإسلامي، تخدم قطاعات الحج والعمرة، الضیافة والإیواء، التجارب والأنشطة، وتدعم الأفراد المستقلین من مرشدین ومدربین ومقدمي خدمات. من غرفة صغیرة إلى بنیة تحتیة تخدم آلاف المقدمین والمسافرین. ھذه لیست قصة تقنیة. ھذه قصة إیمان ... وصبر... وشجاعة الظھور رغم كل الشكوك .
الیوم ... بعد الانتھاء من كل المواد
الآن، وبعد أن وضعتُ آخر لمسة على مواد العدد الأول من Safar by OTAS ، أقف أمام النافذة نفسھا. أشعر أن كل قصة في ھذا العدد لیست مجرد محتوى بل قطعة من روحي، ومن رحلاتكم، ومن مستقبل قطاع كامل، ومن رؤیة وطنٍ طموحھ عنان السماء .
ھذه المجلة لیست مشروعًا إعلامیًا. إنھا المنصة التي كنتُ أبحث عنھا منذ سنوات. إنھا الصوت الجماعي لكل رائد ورائدة أعمال سیاحي مر بتعثر أو انتصار أو حلم كبیر . Safar لیست مجلة. إنھا حركة. إنھا بدایة .
الآن ... دورك أنت
تعلمتُ أن أجمل اللحظات تأتي بعد الانتھاء، حین تدرك أن ما انتھى ... لم یكن نھایة، بل بدایة فصل جدید .
من نافذة في البرج 305 بكافد، إلى صخب معرض كانتون في غوانزو، إلى ھذه اللحظة. ومن ھنا، نقطع وعدًا بالجمال: أن نسلط الضوء على كل بقعة جمال سعودیة، على كل موسم بھجة سعودي، على كل وجھة تحمل روح ھذا الوطن، وأن نصل إلى كل رائد أعمال، وكل مقدم خدمة، وكل بائع منتج سیاحي سعودي یحمل في قلبھ شغفًا یستحق أن یُروى .
إذا كنت رائد أعمال سیاحي، إذا كنت تحمل قصة تعثر أو نجاح أو فكرة جریئة، إذا كنت تؤمن بأن السیاحة الرقمیة ستكون جزءًا من مستقبل المنطقة فھذه مجلتك. ھذا صوتك. وھذه فرصتك .
ابدأ الآن. شارك قصتك. اكتب تجربتك. كن جزءًا من Safar. لأن الصفحة البیضاء لا تزال مفتوحة، وتنتظر كلماتك أنت .
